الشيخ محمد الصادقي الطهراني

113

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

جزاء سيئة سيئة مثلها عدلًا ، وسيئة دونها أو عفو وإصلاح فضلًا ورحمة ، فإذا يأمرنا اللَّه تعالى بالعفو عن السيئة إصلاحاً أم جزاءها المثل عدلًا فكيف يجازي هو ظلماً أن يخلِّد بسيئاتٍ أهلَها إلى غير نهاية ، وما هذا إلا كذب مفترى « سبحان اللَّه عما يصفون » ! . ثم المماثلة بين السيئة والجزاء والسيئة المجازى بها لا تقتضي إلّا إعتداءً بالمثل ، وليست هي اعتداء ، وأما إذا كانت سيئة بنفسها دونما استثناء فلا ، فمن ضربك تضربه كما ضرب مراعياً كمَّه وكيفه ، وأما من زنى بحليلتك فليست جزاءه أن تزني بحليلته ، وإنما هي الحد المحدد له في الشرع ، والضابطة العامة هي أن السيئات المتعدية التي لا حدّ لها في المحرمة كمثل اللواط والزنا والسباب والإضلال أم ماذا فلا ، وقد توحي « فمن عفى » أن السيئة هنا تعني ما تقبل العفو ممن أسيء إليه ، فلا تشمل إذاً مثل اللواط والزنا والإضلال ، وإن شملت مثل القتل والسباب أم ماذا . فإذا قال لك : أخزاك اللَّه ، تقول له مثل قوله : أخزاك اللَّه ، وإذا قال لك : أنت فاسق إهانة دون حجة ، تقول له : أنت فاسق جزاءً بحجة . . . وأما إذا قذفك بما يوجب الحد ، فليس لك أن تقذفه حيث يوجب الحد ، وانما جزاءه إلى اللَّه حيث سن حداً للقذف ، وكما إذا زنى أو لاط أم أساء سيئة من أضرابهما مما يوجب الحد فجزاءه إلى اللَّه فيما حدَّد . فلا تعني مماثلة سيئة سيئة أنك حرٌّ أن تجازى أية سيئة بمثلها ، وإنما هي كضابطة ، فقد يجوز لك أن تجازي بمثلها ، وقد لا يجوز فاللَّه هو الذي يجازي بما سنَّ من حد أم ماذا ، ومن ثم فهي محددة بما يجوز العفو عنها . « وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . « 1 »

--> ( 1 ) . 42 : 41 - 43